STATISTICS

أرقام تكشف ما تتعرض له النساء الفلسطينيات من عنف

نساء يخلعن الصمت.. أعراس بائسة وحب برسم الابتزاز

تكشف شهادات لنساء فلسطينيات عن تعرضهن لأشكال مختلفة من العنف، أغلب تلك الانتهاكات يقف خلفها الاحتلال الإسرائيلي، وأذرعه وجيش الظل خاصته؛ المستوطنون. فبينما نحاول هنا تسجيل بعض شهادات الضحايا، إلا أن أصوات لن تتمكن من كسر حاجز الصمت، ليست الوحيدة من تلك الأصوات الأم الفاضلة الشهيدة عائشة الرابي (47 عاماً) التي قتلها مستوطن بحجر قرب حاجز زعترة بمدينة نابلس، ولا الحاجة السبعينية هنية حنون التي قتلها جنود الاحتلال في منزلها بعد تعرضها لاعتداء وحشي على أيدي قتلة الأطفال والشيوخ والنساء، الجيش الأكثر أخلاقية في العالم.

“أُصبت بنزيف كاد أن يودي بحياة الجنين”

“كنت أبكي كل يوم، وأشكي لأهلي، وكانوا دايمًا يحكولي أصبري مَعلش، بكرة حالك بتصير أحسن. ما حدا حس فيي”، بهذه الكلمات تختصر ح,،ف، البالغة من العمر 35 عامًا، سنوات طويلة من العنف والضرب والإهانات التي عاشتها منذ زواجها وهي في السادسة عشرة من عمرها.

تروي ح، ف – التي اشترطت عدم ذكر كامل اسمها- تفاصيل مروعة لقصة بدأت مع زواجها الذي بتر طفولتها مبكرًا، فبعد شهرٍ واحدٍ فقط من عرسها، تحول الفرح إلى حزن، وصارت زغاريد المهنئات آهات وآلام ونحيب.

تقول: “تعرضت للضرب والإهانة على أبسط الأسباب من زوجي، ورغم محاولاتي المتكررة لإخبار أهلي بما أعيشه من ظلم، إلا أنني لم أجد من يسمعني في البداية. لن أنسى حينما ضربني زوجي أثناء الحمل، أُصبت بنزيف كاد أن يودي بحياة الجنين، لم يشفع لي ابنه الذي كنت أحمله في بطني ولا حتى حالتي الصحية التي تفاقمت خطورتها مع النزيف”.

آثرت ح، ف الصمت خوفًا على أطفالها، وخشية من نظرة المجتمع إلها حال طلقها زوجها، حتى جاء اليوم الذي شاهد فيه أحد أقاربها آثار العنف عليها، ليبلغ والدها وتبدأ إجراءات الطلاق التي تنازلت بموجبها عن جميع حقوقها الشرعية مقابل أن تعيش بأمان مع أطفالها.

قصة ح، ف ليست حالة فردية أو استثنائية، بل تمثل عينة من جحيم تعيشه عديد النساء اللواتي يواجهن أشكالاً مختلفة من العنف، متعدد المصادر والأشكال والمستويات، في ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد.

نصف المجتمع.. نصف المأساة وأكثر

تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن نسبة النساء في فلسطين بلغت 49% من إجمالي السكان مع نهاية عام 2025، أي ما يقارب 2.74 مليون امرأة، منهن 1.69 مليون في الضفة الغربية و1.06 مليون في قطاع غزة.

حيث زادت حالة النساء سوءًا في المجتمع الفلسطيني، رغم هذا الحضور النوعي الكبير، لا سيما مع تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، وما جرَّته معها من نزوح وبطالة وفقر وعنف واختلالات في أدوار النوع الاجتماعي، وتغيير على هيكلية الأسر وأدوار أفرادها.

الفلسطينيات أهداف على أجندة الإبادة

وثَّقَت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن جيش الاحتلال الإسرائيلي قتل في قطاع غزة أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة منذ بدء حرب الإبادة في تشرين أول 2023، أي ما يعادل 47 ضحية يوميا، فيما تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن أكثر من 12,500 امرأة استشهدن في قطاع غزة من كانون الثاني 2025 حتى آذار 2026، فيما سجلت نحو 23,769 إصابة مباشرة بين النساء منذ بداية الحرب.

كما فقدت 22,057 امرأة أزواجهن نتيجة الحرب، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها النساء من 12% قبل الحرب إلى نحو 18% خلال عام 2025.

وفي جانب آخر من المعاناة، وثَّقَت المؤسسات الحقوقية أكثر من 200 حالة اعتقال لنساء فلسطينيات خلال عام 2025، فيما بلغ عدد الأسيرات في سجون الاحتلال حتى شباط 2026 نحو 95 أسيرة.

أما اقتصاديًا، فقد وصلت نسبة البطالة بين النساء المشاركات في سوق العمل في قطاع غزة إلى 92% خلال عام 2025، وهي من أعلى النسب المُسجلة عالميًا.


ولا تقتصر معاناة النساء الفلسطينيات على الأرقام والإحصاءات؛ فخلف كل رقم أم فقدت طفلاً أو زوجة فقدت شريك حياتها. وتبرز قصة والدة الطفل سام أبو هيكل الذي قتلته قوات الاحتلال في الخليل، كواحدة من عشرات القصص التي تكشف حجم الألم الذي تعيشه الأمهات الفلسطينيات. كما تبقى قصة عائشة الرابي، التي قتلت إثر اعتداء مستوطن عليها بالحجارة قرب نابلس، شاهداً على استهداف النساء الفلسطينيات وما يترتب عليه من آثار إنسانية واجتماعية عميقة

لا تعكس هذه الأرقام خسائر فردية فحسب، بل تكشف تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. فارتفاع أعداد الأرامل وزيادة نسبة الأسر التي تعيلها النساء، بالتزامن مع معدلات البطالة المرتفعة، يشير إلى تضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تتحملها المرأة الفلسطينية في ظل الحرب والأزمات المستمرة.

آلام تتجاوز الجسد

يصف الطبيب النفسي الدكتور عيسى الفاخوري، آثار العنف الذي تتعرض له النساء الفلسطينيات، سواء من داخل المجتمع أو من خلال الاحتلال وأذرعه الإجرامية والمستوطنين، أن آثار هذا العنف لا تقف عند حدود الجسد، بل تتجاوزه لتحفر عميقًا في حياة الضحية، وتلازمها طويلا في حياتها على نحو لا يسهل التخلص من آثاره. 

ويقول: “تتعرض الكثير من النساء المعنفات لمشاعر الخوف المستمر، وفقدان الثقة بالنفس والقلق، وقد يصل الأمر إلى الإصابة بالاكتئاب أو درجات متفاوتة منه، أو اضطراب ما بعد الصدمة، خاصة إذا استمر التعنيف لفترات طويلة دون الحصول على دعم نفسي أو علاج مناسب”.

ويضيف، الخوف من المجتمع وعاداته وقيمه، أو الأسرة وسمعتها ومكانتها، يدفع عديد النساء إلى الصمت أمام ما يتعرضن له، والخوف من طلب المساعدة، ما يؤدي إلى تفاقم الأضرار النفسية مع مرور الوقت، وكذلك تعرضها لمستويات قد تكون أكبر من العنف.

العنف الرقمي: عندما ينتقل العنف إلى الفضاء الإلكتروني

ثمة انتقالة خطيرة لممارسة العنف بشكل عام، وضد النساء بشكل خاص، تبدت معالمها مع شيوع شبكات استخدام التواصل الاجتماعي، بكلمات أخرى انتقلت هذه الظاهرة من الواقع إلى المجال الافتراضي.

الشابة حليمة- اسم مستعار حيث رفضت الكشف عن هويتها- تبلغ من العمر 26 عاما، تعمل في صالون تجميل، تعرَّفَت عبر لعبة إلكترونية على شاب أوهمها برغبته في الزواج منها، وبعد أن كسب ثقتها، طلب منها صورًا شخصية ثم بدأ بابتزازها وتهديدها بنشر تلك الصور أمام عائلتها ما لم تدفع له مبلغًا من المال.

تحت ضغط هذا الابتزاز، اضطرت حليمة لدفع آلاف الشواقل للشاب خوفًا من الإساءة لسمعتها وسمعة عائلتها. وأمام ذلك قررت طلب المساعدة من الجهات المختصة في الشرطة الفلسطينية. وبعد أشهر من المتابعة والتحري تم القبض على الشاب المبتز، واستعادة الأموال التي أخذها منها عنوة، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.


هذه القصة تكشف عن تنامي جرائم الابتزاز الإلكتروني التي تستهدف النساء، بصفتها أحد أشكال العنف التي تتعرض لها النساء والفتيات، لتؤكد أهمية التوعية والتثقيف والحذر في التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعية، وضرورة التوجه إلى الجهات المختصة لمعالجة هذه القضايا الحساسة.

ووفق التقرير الإحصائي السنوي للشرطة الفلسطينية لعام 2025، سجلت أقسام الأسرة والأحداث والجرائم الإلكترونية عشرات القضايا المرتبطة بالابتزاز الإلكتروني والتهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعكس تصاعد هذا الشكل من العنف الرقمي الذي يستهدف النساء والفتيات.

تكلفة اقتصادية تتجاوز 297 مليون شيكل سنوياً

لا تقتصر آثار العنف ضد النساء على الجانب الإنساني فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الفلسطيني بأكمله.

فقد أظهرت دراسة أطلقتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة ضمن برنامج “سواسية” عام 2026 أن التكلفة الاقتصادية السنوية للعنف ضد النساء في فلسطين تبلغ نحو 297.45 مليون شيكل سنويًا.

وتشمل هذه التكلفة فقدان الإنتاجية، وتراجع الدخل، والخسائر المرتبطة بالرعاية الصحية والقانونية، إضافة إلى الأعباء التي تتحملها المؤسسات الحكومية ومقدمو الخدمات.

وأكدت الدراسة أن العنف ضد النساء لا يمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان فقط، بل يشكل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا يؤثر على الأسر والمجتمع والاقتصاد الوطني بأكمله.

ما وراء الأرقام

وراء كل رقم قصة إنسانية. فبين حفصة التي عاشت سنوات من العنف الأسري، وحليمة التي تعرضت للابتزاز الإلكتروني، آلاف النساء اللواتي يواجهن تحديات مشابهة بصمت.

وتؤكد البيانات أن العنف ضد النساء في فلسطين ليس قضية فردية أو عائلية فحسب، بل قضية مجتمعية واقتصادية تتطلب تعزيز الحماية القانونية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتوسيع خدمات الإبلاغ والمساندة، لضمان حياة أكثر أمنًا وكرامة للنساء الفلسطينيات